الشوكاني
292
فتح القدير
تعالى - وهى تمر مر السحاب - ، ثم تعود إلى الأرض بعد أن جعلها الله كما قال - وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا - والخطاب في قوله ( وترى الأرض بارزة ) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لكل من يصلح للرؤية ، ومعنى بروزها ظهورها وزوال ما يسترها من الجبال والشجر والبنيان ، وقيل المعنى ببروزها بروز ما فيها من الكنوز والأموات كما قال سبحانه - وألقت ما فيها وتخلت - ، وقال - وأخرجت الأرض أثقالها - فيكون المعنى : وترى الأرض بارزا ما في جوفها ( وحشرناهم ) أي الخلائق ، ومعنى الحشر الجمع : أي جمعناهم إلى الموقف من كل مكان ( فلم نغادر منهم أحدا ) فلم نترك منهم أحدا ، يقال غادره وأغدره إذا تركه ، قال عنترة : غادرته متعفرا أوصاله * والقوم بين مجرح ومجندل أي تركته ، ومنه الغدر ، لأن الغادر ترك الوفاء للمغدور ، قالوا : وإنما سمى الغدير غديرا ، لأن الماء ذهب وتركه ، ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها ( وعرضوا على ربك صفا ) انتصاب صفا على الحال : أي مصفوفين كل أمة وزمرة صف ، وقيل عرضوا صفا واحدا كما في قوله - ثم ائتوا صفا - أي جميعا ، وقيل قياما . وفى الآية تشبيه حالهم بحال الجيش الذي يعرض على السلطان ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة هو على إضمار القول : أي قلنا لهم لقد جئتمونا ، والكاف في كما خلقناكم نعت مصدر محذوف : أي مجيئا كائنا كمجيئكم عند أن خلقناكم أول مرة ، أو كائنين كما خلقناكم أول مرة : أي حفاة عراة غرلا ، كما ورد ذلك في الحديث . قال الزجاج : أي بعثناكم وأعدناكم كما خلقناكم ، لأن قوله لقد جئتمونا معناه بعثناكم ( بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ) هذا إضراب وانتقال من كلام إلى كلام للتقريع والتوبيخ ، وهو خطاب لمنكري البعث : أي زعمتم في الدنيا أن لن تبعثوا ، وأن لن نجعل لكم موعدا نجازيكم بأعمالكم وننجز ما وعدناكم به من البعث والعذاب ، وجملة ( ووضع الكتاب ) معطوفة على عرضوا ، والمراد بالكتاب صحائف الأعمال ، وأفرده لكون التعريف فيه للجنس ، والوضع إما حسي بأن يوضع صحيفة كل واحد في يده : السعيد في يمينه ، والشقي في شماله ، أو في الميزان . وإما عقلي : أي أظهر عمل كل واحد من خير وشر بالحساب الكائن في ذلك اليوم ( فترى المجرمين مشفقين مما فيه ) أي خائفين وجلين مما في الكتاب الموضوع لما يتعقب ذلك من الافتضاح في ذلك الجمع ، والمجازاة بالعذاب الأليم ( ويقولون يا ويلتنا ) يدعون على أنفسهم بالويل لوقوعهم في الهلاك ، ومعنى هذا النداء قد تقدم تحقيقه في المائدة ( مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) أي أي شئ له لا يترك معصية صغيرة ولا معصية كبيرة إلا حواها وضبطها وأثبتها ( ووجدوا ما عملوا ) في الدنيا من المعاصي الموجبة للعقوبة ، أو وجدوا جزاء ما عملوا ( حاضرا ) مكتوبا مثبتا ( ولا يظلم ربك أحدا ) أي لا يعاقب أحدا من عباده بغير ذنب ، ولا ينقص فاعل الطاعة من أجره الذي يستحقه ، ثم إنه سبحانه عاد إلى الرد على أرباب الخيلاء من قريش ، فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه فقال ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) أي واذكر وقت قولنا لهم اسجدوا سجود تحية وتكريم ، كما مر تحقيقه ( فسجدوا ) طاعة لأمر الله وامتثالا لطلبه السجود ( إلا إبليس ) فإنه أبى واستكبر ولم يسجد ، وجملة ( كان من الجن ) مستأنفة لبيان سبب عصيانه وأنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة فلهذا عصى ، ومعنى ( ففسق عن أمر ربه ) أنه خرج عن طاعة ربه . قال الفراء : العرب تقول فسقت الرطبة عن قشرها لخروجها منه . قال النحاس : اختلف في معنى ( ففسق عن أمر ربه ) على قولين : الأول مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى : أتاه الفسق لما أمر فعصى فكان سبب الفسق أمر ربه . كما تقول أطعمه عن جوع . والقول الآخر قول قطرب : أن المعنى على على حذف المضاف : أي فسق عن ترك أمره . ثم إنه سبحانه عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر والمعاصي